مؤتمر أميركي للاستثمار في لبنان... من المساعدات إلى إعادة بناء الاقتصاد؟ -- Aug 13 , 2026 44
في موازاة الحراك السياسي والأمني الذي تشهده الساحة اللبنانية، بدأ يتردد في الأوساط الأميركية والاقتصادية حديث عن إعداد مؤتمر اقتصادي – استثماري للبنان برعاية الولايات المتحدة، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإطلاق مرحلة جديدة من الدعم الدولي، تقوم على الاستثمار والإنتاج بدل الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية والإغاثية التي رافقت لبنان خلال سنوات أزماته المتلاحقة.
ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الأفكار الأولية، فإن مجرد تداوله من قبل شخصيات قريبة من الإدارة الأميركية يعكس توجهاً جديداً في مقاربة واشنطن للملف اللبناني، يقوم على ربط الاستقرار السياسي والأمني بإعادة تحريك الاقتصاد واستقطاب رؤوس الأموال.
ويأتي الحديث عن المؤتمر استناداً إلى تصريحات المستشار الأميركي من أصل لبناني مسعد بولس، أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أشار إلى وجود أفكار قيد الدرس لتنظيم مؤتمر اقتصادي استثماري للبنان، من دون أن يتم حتى الآن تحديد موعد لعقده أو وضع جدول أعماله النهائي.
وفي هذا السياق، يؤكد عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف (USJ) في بيروت ورئيس الاتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين (MIDEL)، فؤاد زمكحل، أن ما يجري تداوله لا يزال في إطار التصورات الأولية، ولم يتحول بعد إلى مشروع متكامل أو قرار رسمي.
ويقول زمكحل إن الفكرة تقوم على تنظيم مؤتمر يجمع القطاعين العام والخاص، بمشاركة دول داعمة للبنان، بهدف إطلاق استثمارات في قطاعات إنتاجية قادرة على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد اللبناني، بعيداً عن النهج التقليدي القائم على المساعدات الإنسانية.
ويرى أن التحول من منطق الإغاثة إلى منطق الاستثمار يشكل نقطة مفصلية في مقاربة المجتمع الدولي للبنان، لأن الاقتصاد اللبناني لم يعد يحتاج فقط إلى مساعدات مالية آنية، بل إلى مشاريع قادرة على تحقيق النمو، وتأمين فرص العمل، واستعادة ثقة المستثمرين.
وبحسب زمكحل، فإن التصورات المتداولة تشير إلى أن المؤتمر قد يُعقد برعاية الولايات المتحدة، وبمشاركة وتمويل من عدد من الدول العربية، على غرار مؤتمرات الدعم السابقة، لكن مع مقاربة مختلفة ترتكز على الاستثمار المنتج والشراكة مع القطاع الخاص.
أولويات الاستثمار
ويشير زمكحل إلى أن الأولوية في القطاع العام ستكون لإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت لاستنزاف كبير خلال السنوات الماضية، ولا سيما مشاريع الكهرباء والطاقة والطرق والمرافق العامة، إضافة إلى دعم القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم عبر الاستثمار في المستشفيات والمدارس والجامعات.
أما في القطاع الخاص، فمن المتوقع أن يركز المؤتمر على القطاعات القادرة على تحقيق نمو سريع، وفي مقدمها الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، مع تشجيع رجال الأعمال اللبنانيين والمغتربين على لعب دور محوري في تمويل المشاريع وإطلاق استثمارات جديدة داخل لبنان.
إلا أن زمكحل يشدد على أن نجاح أي مؤتمر من هذا النوع يبقى رهناً بتوافر الاستقرار الأمني والسياسي، معتبراً أن أي مستثمر لن يضخ أمواله في بيئة تفتقر إلى الاستقرار أو الضمانات القانونية والمؤسساتية.
ويضيف أن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن يوجهها لبنان إلى المجتمع الدولي تتمثل في قدرته على توفير مناخ استثماري آمن، وإطلاق إصلاحات فعلية تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.
ويستعيد زمكحل تجربة المؤتمرات الدولية السابقة التي خُصصت لدعم لبنان، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الأموال التي رُصدت آنذاك لم يحقق الأهداف المرجوة بسبب الهدر والفساد وضعف آليات التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، يعتقد أن المجتمع الدولي والدول المانحة باتوا أكثر تشدداً في ربط أي دعم مالي أو استثماري مستقبلي بمعايير واضحة للشفافية والمحاسبة والحوكمة الرشيدة، بما يضمن حسن إدارة الأموال وتحقيق النتائج المرجوة.
ورغم أن المشروع لا يزال في بداياته، فإن مجرد طرح فكرة مؤتمر اقتصادي استثماري برعاية أميركية يعكس توجهاً جديداً في النظرة الدولية إلى لبنان، عنوانه الانتقال من سياسة الإنقاذ المؤقت إلى الاستثمار طويل الأمد.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على استثمار المناخ الدولي المؤاتي، واستكمال الإصلاحات المطلوبة، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني، بما يسمح بتحويل الأفكار المطروحة إلى مؤتمر فعلي يشكل منصة لإطلاق مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي واستعادة النمو.